ابن رشد
152
تهافت التهافت
مثلا الخزانة غير العلم الصادر عنه الكرسي . لكن العلم القديم مخالف في هذا العلم المحدث . والفاعل القديم للفاعل المحدث . فإن قيل : فما تقول أنت في هذه المسألة وقد أبطلت مذهب ابن سينا في علة الكثرة ، فما تقول أنت في ذلك : فإنه قد قيل أن فرق الفلاسفة كانوا يجيبون في ذلك بواحد من ثلاثة أجوبة : أحدها قول من قال : إن الكثرة إنما جاءت من قبل الهيولى ، والثاني قول من قال : إنما جاءت من قبل الآلات ، والثالث قول من قال : من قبل الوسائط ، وحكي عن آل أرسطو أنهم صححوا القول الذي يجعل السبب في ذلك التوسط . قلت : إن هذا لا يمكن الجواب فيه في هذا الكتاب بجواب برهاني ، ولكن لسنا نجد لأرسطو ولا لمن شهر من قدماء المشائين هذا القول الذي نسب إليهم إلا لفرفوريوس الصوري صاحب مدخل علم المنطق ، والرجل لم يكن من حذاقهم ، والذي يجري عندي على أصولهم أو سبب الكثرة هو مجموع الثّلاثة الأسباب ؛ أعني المتوسطات والاستعدادات والآلات ، وهذه كلها قد بينا كيف تستند إلى الواحد وترجع إليه ، إذ كان وجود كل واحد منها بوحدة محضة هي سبب الكثرة . وذلك أنه يشبه أن يكون السبب في كثرة العقول المفارقة اختلاف طبائعها القابلة فيما تعقل من المبدأ الأول ، وفيما تستفيد منه من الوحدانية الذي هو فعل واحد في نفسه كثير بكثرة القوابل له ، كالحال في الرئيس الذي تحت يده رئاسات كثيرة ، والصناعة التي تحتها صنائع كثيرة وهذا يفحص عنه في غير هذا الموضع ، فإن تبيّن شيء منه وإلا رجع إلى الوحي . وأما أن الاختلاف يقع من قبل اختلاف الأسباب الأربعة فبيّن ، وذلك أن اختلاف الأفلاك يكون من قبل اختلاف محركيها ، واختلاف صورها وموادها إن كان لها مواد وأفعالها المخصوصة في العالم وإن كانت ليست من أجل هذه الأفعال عندهم . وأما الاختلاف الذي يعرض أولا بما دون الفلك من الأجسام البسيطة فهو اختلاف المادة مع اختلافها في القرب والبعد من المحركين لها ، وهي الأجرام السماوية ، مثل اختلاف النار والأرض وبالجملة المتضادات وأما السبب في اختلاف الحركتين العظيمتين اللتين : إحداهما فاعلة الكون ، والثانية الفساد ،